عبد القاهر الجرجاني
50
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
أحدهما : أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد الكلام إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال فحال الخطاب من جهة نفس الخطاب ، أو المخاطب أو الجميع ، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين ، وبحسب مخاطبين ، وبحسب غير ذلك . . . والوجه الثاني : هو أنّ الجهل موقع في الشبه والإشكالات ، ومورد للنصوص مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف ، وذلك مظنّة النّزاع » . ولذلك نجد أن صاحب الكتاب رحمه اللّه قد اهتم بأسباب النزول اهتماما كبيرا ، يوضحه كثرة ذكره لأسباب نزول الآيات ، وهذا من عادة المفسرين السابقين الذين أولعوا بأسباب النزول ، وتلقفوا الروايات فيها من غير تمحيص ولا تدقيق ، من حيث هي صحيحة أو ضعيفة ، ولكن المؤلف رحمه اللّه تعالى لم يكتف بذكر الضعيف فيها فحسب ، بل نجده يذكر الموضوع الذي لا أصل له ، وهذه بعض الأمثلة على ذلك : 1 - أسباب نزول صحيحة الرواية : فعند قول اللّه تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) [ مريم : 64 ] ، يأتي برواية عن ابن عباس قوله : قال النبي عليه السّلام : « يا جبريل ، ما لك لا تزورنا أكثر مما تزورنا » ، فأنزل اللّه « 1 » . هذا حديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم . وعن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، قال : أنزل اللّه تعالى القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتلاه عليهم زمانا ، فقيل : يا رسول اللّه ، لو قصصت علينا ، فأنزل اللّه تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ الآية [ يوسف : 3 ] ، فتلا عليهم زمانا ، قيل : يا رسول اللّه ، لو حدثتنا ، فأنزل اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً الآية [ الزمر : 23 ] . وروي فقيل : لو خوّفتنا ، فأنزل : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الآية [ الحديد : 16 ] . « 2 » 2 - أسباب نزول ضعيفة وموضوعة : وعند تفسير قوله تعالى : لَيَفْتِنُونَكَ [ الإسراء : 73 ] ، يذكر سبب النزول لهذه الآية فيقول : وعن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب : رأى رسول اللّه من قومه كفا عنه ، فجلس خاليا يتمنى أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه ، وقاربهم ، وقاربوه ، ودنوا منه ، وألقى الشيطان في أمنيته في سورة النجم ما ألقى ، فرضوا بما تكلم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا : قد عرفنا أن اللّه هو يحيي ، ويميت ، ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا « 3 » ، ولما سجد في آخر السورة سجدوا معه أجمعون ، ورفع الوليد بن المغيرة ، وأبو أحيحة سعيد بن العاص التراب إلى وجوههما يسجدان عليهما من ضعفهما ، وعجزهما ، وقال أبو أحيحة : يا
--> ( 1 ) درج الدرر 236 . ( 2 ) درج الدرر 36 ، وهذا حديث إسناده قوي كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان عند تخريجه هذا الحديث ، وهو في صحيح ابن حبان برقم ( 6209 ) . ( 3 ) في أ : لنا عنده .